الشنقيطي

285

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بشواهده . قوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ [ 118 ] الآية . هذا المحرّم عليهم ، المقصوص عليه من قبل المحال عليه هنا هو المذكور في ( سورة الأنعام ) في قوله : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 146 ) [ الأنعام : 146 ] . وجملة المحرّمات عليهم في هذه الآية الكريمة ظاهرة ، وهو كل ذي ظفر : كالنّعامة والبعير ، والشّحم الخالص من البقر والغنم ( وهو الثّروب ) وشحم الكلى . أما الشّحم الّذي على الظهر ، والّذي في الحوايا وهي الأمعاء ، والمختلط بعظم كلحم الذّنب وغيره من الشّحوم المختلطة بالعظام - فهو حلال لهم ؛ كما هو واضح من الآية الكريمة . قوله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) [ 120 - 121 ] . أثنى اللّه جلّ وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين على نبيّه إبراهيم عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام : بأنّه أمّة ؛ أي إمام مقتد به ، يعلّم الناس الخير ؛ كما قال تعالى : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] ، وأنّه قانت للّه ، أي مطيع له . وأنّه لم يكن من المشركين ، وأنّه شاكر لأنعم اللّه ، وأنّ اللّه اجتباه ، أي اختاره واصطفاه . وأنّه هداه إلى صراط مستقيم . وكرّر هذا الثّناء عليه في مواضع أخر ، كقوله : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) [ النجم : 37 ] ، وقوله : * وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] ، وقوله : * وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ( 51 ) [ الأنبياء : 51 ] ، وقوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) [ الأنعام : 75 ] ، وقوله عنه : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) [ الأنعام : 79 ] ، وقوله : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 67 ) [ آل عمران : 67 ] ، وقوله : * وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ ( 83 ) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 84 ) [ الصافات : 83 - 84 ] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في الثناء عليه . وقد قدّمنا معاني « الأمّة » في القرآن . قوله تعالى : وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً [ 122 ] الآية . قال بعض العلماء : الحسنة التي آتاه اللّه في الدنيا : الذّرّيّة الطيبة ، والثّناء الحسن . ويستأنس لهذا بأنّ اللّه بيّن أنّه أعطاه بسبب إخلاصه للّه ، واعتزاله أهل الشّرك : الذّريّة الطّيبة .